الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

250

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

على ما ذهب إليه واقتصر على إرجاع أحد القولين إلى الآخر رابعها أن جميع الأقوال المذكورة في المسألة منحصرة فيما ذكرناه وقد عرفت إرجاع القولين الأولين إلى أمر واحد وانتفاء الخلاف بينهما في المعنى وسائر الأقوال بين الوهن لما فيها من ارتكاب أمور يقطع بفسادها حسبما هو ظاهر مما قررناه فتعين الأخذ بما اخترناه خامسها أنه لا سبيل إلى القول بوجوب الجميع على وجه الجمع لعدم تعلق الأمر بها كذلك ولا القول بوجوب واحد منها لورود التخيير بينه وبين غيره ومن الواضح عدم جواز ورود التخير من الحكيم بين ما له صفة الوجوب وما ليس له كذلك كيف ولو اشتمل الآخر أيضا على المصلحة المترتبة على الواجب لم يعقل ترجيح أحدهما بالوجوب دون الآخر وإن لم يشتمل عليه لم يجز التخيير المذكور لما فيه من تفويت مصلحة الواجب وعلمه بأنه لا يختار إلا الواجب لا يحسن التخيير المذكور كما لا يحسن التخيير بين الواجب والمباح إذا علم أنه يختار الواجب وإذا بطل الوجهان تعين القول بوجوب الجميع على سبيل التخيير أو وجوب أحدهما على سبيل البدلية على النحو الذي قررناه وقد عرفت أن مفاد أحدهما عين الآخر فثبت المدعى [ في بيان احتجاج القائل بكون المكلف به أحدها لا بعينه وما يرد عليه . ] حجة القول بكون المكلف به أحدهما لا بعينه أمور [ الدليل الأول للقول المذكور . ] منها أن الإنسان لو عقد على قفيز من برة لم يكن المبيع من بره قفيزا معينا وكان الخيار للبائع في التعيين فالواجب هناك قفيز غير معين والتعيين فيه باختيار المكلف وكذا الحال في غيره من الواجبات التخييرية من غير تفاوت أصلا ويدفعه أن ذلك إما محمول على الإشاعة إن كان العقل مستقلا في إفادة الانتقال وحينئذ فلا إشكال ولا يرتبط بالمدعى وإلا كان العقد وتعيين البائع معا باعثا على انتقال المعين من دون أن ينتقل شيء إلى المشتري قبل تعيينه لوضوح أن المنتقل إليه ليس أمرا كليا في الذمة لعدم تعلق القصد به ووجود الكلي في الخارج ليس إلا في ضمن المعين والمفروض أنه لم ينقل إليه شيء من القفزان المعينة قبل اختياره وانتقال غير المعين إليه في الخارج غير معقول فلا ينتقل إليه شيء بنفس العقد غاية الأمر أن يحصل الانتقال به وبالاختيار إما بأن يكون جزءا أخيرا من الناقل أو يكون كاشفا عن الانتقال بالعقد كما هو الحال في عتق أحد العبيد وطلاق إحدى الزوجات إن قلنا بصحته وذلك أمر يتبع قيام الدليل عليه ولا يتصور القول بانتقال الجميع إليه على سبيل التخيير كما يقال بوجوب الجميع كذلك في المقام فالفرق بين المقامين ظاهر ووجوب الدفع الحاصل في المقام تابع للانتقال فلا يصح القول بالتخيير بالنسبة إليه دونه ولو أمكن القول به فهو مطابق لما ذكرناه لما عرفت من أن وجوب أحد الأفعال على الوجه المذكور عين ما اخترناه [ الدليل الثاني للقول المذكور . ] ومنها أن القول بالتخيير يؤدي إلى أن يكون المكلف مخيرا بين عبيد الدنيا كلها وكذا الكسوة والإطعام وذلك فاسد كذا ذكره السيد ومحصّله أنه لو لم يكن مفاد التخيير وجوب أحدها لكان مفاد التخيير بين الجزئيات عند إيجاب الطبيعة هو التخيير بين جميع الأفراد الغير المحصورة حسبما قرر ووهنه ظاهر للفرق الظاهر بين المقامين ومع الغض عنه فليس متعلق التخيير إلا القدر الممكن من الأفراد دون جميعها مما لا يتعلق قدرة المكلف بها ومنها أنه لو نص على أن ما أوجب عليه واحد لا بعينه لكان ذلك هو الواجب عليه وكذا لو خير بين تلك الأفعال لاتحاد مؤدى العبارتين ويدفعه أنه إن أريد بوجوب أحدهما هو الوجه الأول الذي قررناه كما هو الظاهر من العبارة المذكورة فما ذكره حق وقد عرفت اتحاد مؤدى اللفظين وكون الاختلاف بين القولين لفظيا لا يرجع إلى طائل وإن أريد به أحد الوجوه المتأخرة فالقول باتحاد مؤدى العبارتين حينئذ واضح الفساد وإيجاب واحد لا بعينه على بعض الوجوه المذكورة غير جائز من أصله لوضوح أن الوجوب أمر معين لا يمكن تعلقه خارجا بالمبهم وإن أريد به المعين في الواقع المبهم عند المكلف فهو أيضا غير جائز في الحكمة بعد فرض تساوي الفعلين في وجه المصلحة ومنها أنه لو فعل المكلف جميعها لكان الواجب واحدا منها بالإجماع فكذا يجب أن يكون الواجب أحدها قبل الفعل إذ لا يختلف الحال في ذلك قبل إيجاد الفعل وبعده ويدفعه أنه إن أريد بالواجب ما لا يجوز تركه بالخصوص فمن البيّن أنه ليس الواجب كذلك إلا أحدها بالتفسير الذي ذكرناه ولا يختلف فيه الحال قبل الفعل وبعده وهو كما عرفت يرجع إلى ما اخترناه وإن أريد به ما تعلق به الإيجاب ولا يجوز تركه في الجملة يعني ما يعم تركه وترك بدله فالوجوب بهذا المعنى قائم بكل منها ولا يختلف الحال فيه أيضا على الوجهين دعوى الإجماع على قيام الوجوب بهذا المعنى بأحدها بيّن الفساد بل دعوى الإجماع على وجوب أحدها عند الإتيان بالكل دون الجميع محل نظر كما سيجيء الإشارة إليه وقد عرفت أيضا في أقوال المسألة وجود القول بالحكم بوجوب الجميع حينئذ وكأنه لم يلتفت إليه بوهنه ومنها أنه لو ترك الجميع لاستحق العقاب على واحد منها فعلم أن الواجب هو أحدها ويدفعه أنه لا دلالة في ذلك على اتحاد الواجب فإن الواجبات المخير بينها على الوجه الذي قررناه إنما يكون استحقاق العقاب على ترك واحد منها إذ استحقاق العقوبة أنما يتبع حصول المنع من القول وقد عرفت أن المنع من ترك كل منها أنما هو في الجملة بمعنى المنع من تركه وترك ما يقوم مقامه فكيف يصح الاحتجاج باتحاد العقاب على عدم وجوب الجميع كذلك مع أن القائل به يقول بهذا قطعا ومنها أنه لو كان في كل منها جهة موجبة لفعله ليصح اتصافه بالوجوب من جهتها لزم وجوب الجميع بينها مع الإمكان إحرازا للمصلحة الموجبة فيخرج بذلك عن حد الوجوب التخييري وإن كان تلك الجهة في أحدها كان الواجب واحدا منها كما هو المدعى ويدفعه إن الجهة الموجبة قد تكون حاصلة لكل منها بانفراده بأن لا يحصل تلك المصلحة الموجبة من فعل آخر وقد يكون حاصلة بأي منها بأن يكون كل منها كافيا في تحصيل تلك الثمرة فعلى الأول يجب الجمع بينها بحسب الإمكان ويكون الوجوب المتعلق بها تعيينا بخلاف الثاني لاستقلال كل منها بتحصيل الفائدة المطلوبة ولا حاجة إلى الباقي بعد إيجاد واحد منها والحال فيه ظاهر من ملاحظة ما عندنا من المصالح المترتبة على الأفعال فإنه قد يرى الوالد مصلحة لازمة لا يجوّز تفويته على ولده لكن يقوم بتحصيل تلك المصلحة أفعال عديدة من غير فرق بينها في الأداء إلى تلك المصلحة فلا مصلحة يوجب عليه حينئذ تلك الأفعال على وجه التخيير من غير فرق بينها في ذلك وهو الذي اخترناه [ فيما يمكن أن يحتج به للقول الثالث . ] ويمكن الاحتجاج للثالث بأنه لا بد للوجوب من محل يقوم فإما أن يقوم بواحد معين من تلك الأفعال أو بواحد معين مبهم منها أو بالمجموع أو بكل واحد واحد منها لا سبيل إلى الأول إذ لا ترجيح له على غيره مع الاشتراك في المصلحة الموجبة ولا إلى الثاني إذ لا بد من قيام الوجوب